أبي منصور الماتريدي
186
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الذين يخرجون من النار من أهل التوحيد إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ يقول : لم يشقوا شقاء من يخلد في النار وقال في الذين سعدوا إلا ما شاء ربك هم أولئك الذين لم ينالوا من السعادة ما نال أهل الجنة الذين لم يدخلوا النار . وفي بعضها [ عن النبي ] « 1 » صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أما من يريد الله إخراجه [ من النار ] « 2 » فإنهم يماتون فيها إماتة » « 3 » . وقال في خبر آخر : « أما من يريد الله له الخلود فلا يخرجون منها » وأمثال هذا من الأخبار ، فإن ثبت هذا فهو المعتمد . وقال بعضهم : قوله : إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ أي : قد شاء لأهل النار الأبد والخلود ، وشاء لأهل الجنة عطاء غير مجذوذ « 4 » ؛ أي : غير منقطع . ويؤيد هذا التأويل ما ذكر في حرف ابن مسعود وأبي : ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ في الآيتين ؛ وفي الآية الأولى : إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ وفي الأخرى : ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبي أنهما لم يذكرا الثنيا في أهل الجنة « 5 » ، وأصل هذا ما ذكر أبو عبيد قال : الاستثناء الذي هو في أهل السعادة فهو المشكل ؛ لأنه يقال : كيف يستثني وقد وعدهم خلود الأبد في الجنة . وقال في ذلك أقوالا لا أدرى إلى من تسند ، إلا أن لها مخارج في كلام العرب وشواهد في الآثار ، وإنما يتكلم الناس في هذا على معاني العربية ، والله أعلم بما أراد . قال : فأحد هذه الوجوه في الاستثناء فيما يقال كالرجل يوجب على نفسه الشيء ليفعلنه ، ثم يقول : إن شاء الله ، وعزمه [ و ] ضميره مع استثنائه أنه فاعله ، لا يريد غيره . ومما يقوي هذا المذهب قول الله - تعالى - : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [ الفتح : 27 ] فاستثنى ، وقد علم أنهم داخلوه البتة . ومنه ما روي في حديث مكة عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم حين قال : « ولا تحل لقطتها إلا لمنشد » « 6 » .
--> ( 1 ) في ب : عنه . ( 2 ) في ب : منها . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 1 / 172 ، 173 ) كتاب الإيمان ، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار ( 306 / 185 ) ، وابن ماجة ( 5 / 678 ) ( 4309 ) ، وأحمد ( 3 / 5 ، 11 ، 78 ) ، والدارمي ( 2820 ) ، وعبد بن حميد ( 868 ) . ( 4 ) في أ : محدود . ( 5 ) أي : لم يرد في هذا الحرف هنا قوله - عزّ وجل - : إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ . ( 6 ) أخرجه بمعناه البخاري ( 4 / 56 ) كتاب جزاء الصيد ، باب لا يحل القتال بمكة ( 1834 ) وكتاب الحج ، باب فضل الحرم ( 1587 ) ، ومسلم ( 986 ) كتاب الحج ، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام ( 445 / 1353 ) .